الاثنين

تفاصيل العودة الأخيرة لعائلة عراقية

لا يزال شبح الموت يجوب أرجاء العراق ممتطيا حصان العنف ومخضبا بدماء العراقيين فرصاصة تخرج من فوهة بندقية قد لا تكلف من يطلقها جهدا ووقتا لكنها تغير مجرى المستقبل في حياة ذوي المجني عليه قصتنا من رحم العنف من مدينة كان اسمها دار السلام ....
مسرح الجريمة ، رائحة الموت غطت المكان ، وبقايا مخ بشري تملأ مسرح الجريمة ، ثلاثة أجساد بشرية اخترقها الرصاص الأمريكي ، مكان الجريمة حي الزعفرانية التي تخلى عن زعفرانه في لحظة قتل أهوج ، ثلاثة أنواع من الممثلين لا غير على مسرح الجريمة ،ظالم ومظلوم وشهود عيان تقاسمها جُناة وأُباة وشهود ، الضحية الأولى الشهيد رفعت السامرائي رب الدار وربان سفينة الموت الذي حاول أن ينقذ طاقم عائلته المكونة من الزوجة المنكوبة وبنتين صغيرتين والطفل عبد الله الذي قدر الله له أن يبقى شاهدا هو وأمه التي ما زالت تحتفظ بثيابها المخضبة بدماء الشهداء الثلاثة ، الضحية الثانية حفصة رفعت السامرائي ذات الاثنى عشر ربيعا لم يمهلها رصاص رعاة البقر لتنطق الشهادتين فكان أخر ما تلفظت به كلمة لفظ الجلالة الله ، الضحية الثالثة فاطمة رفعت السامرائي لم تكمل بعد عامها التاسع تعلقها بوالدها رافقها حتى في لحظاتها الأخيرة فكانت كلمة بابا كلمتها الأخيرة ، الضحية الرابعة الطفل عبد الله الذي أنجاه الله من الموت لتروي لنا دموعه مع والدته الضحية الخامسة أخلاص عبد الغفار السامرائي والدة الشهيدتين حفصة وفاطمة وزوجة الشهيد رفعت السامرائي تفاصيل الجريمة ...
شهود عيان
بعد التقصي عن هذه الحادثة المروعة وجدنا شهودا عيان ، الأم والابن وما أن التقيناهم حتى قفزت الأسئلة النمطية والتي رغم أهميتها لا توازي ولا تكافئ المصاب الجلل
* اروي لنا يا أم عبد الله ما حدث ؟
ــ تسكت برهة لتسترسل بعد أن استغفرت الله قائلة مازلت أتذكر الواقعة بتفاصيلها الدقيقة وكأنها حدثت اليوم رغم مرور شهر عليها، القوات المحتلة كانت تقف على بعد مائة متر على جانب الطريق من دون أن تضع أي علامة تشير إلى أن المنطقة هي نقطة تفتيش وكنا عائدين إلى بيتنا في حي الزعفرانية بعد قضاء ساعات معدودة في زيارة بعض الأقارب في منطقة حي التربية حيث كنا نسير بسرعة متوسطة لأن السيارة كانت قديمة اشتريناها بعد أعوام من التوفير ،هاجس مخيف انتابني عندما شاهدتهم لم أكد أفيق منه حتى أمطرتنا الدورية بوابل من الرصاص الكثيف
"لم تستطع الأم المنكوبة أن تتماسك ولم تكمل الحديث لان الدموع كانت اقرب لها من الكلمات وشعورا بالذنب غزا مخيلتي لكن لابد للمأساة من رواة "
كفكفت دموعها العصية عن التوقف،لتكمل ماذا أقول وكيف يمكن أن أخبرك عن فظاعة ما حدث، الرصاص اغتال الضحكات رصاص أحمق همجي يخترق رأس زوجي رفعت عبد الجبار السامرائي فيبعثر منه قطعا من فروة رأسه ومخ يرتجف على كتفي من شدة إطلاق النار الذي أصابه يأخذها موج البكاء وتكمل باكية شاكية أما أنا فأتذكر جيدا صرخات ابنتي حفصة (12 عاما) رحمها الله نطقت اسم الجلالة لمرة واحدة فقط نعم لمرة واحده قبل أن تفارق الحياة سريعا ، أما فاطمة ( 9 أعوام ) فقد لفظت كلمة بابا لشدة ولعها بأبيها بعد أن خرجت كل أحشائها من بطنها من شدة الفتك رحمهم الله جميعا ثواني بقيت أنا وعبد الله الذي كان يصرخ بجنون تحت هول الصدمة وألم جراحه الغائرة قبل أن أنزل مسرعة وكنت مدركة أن المرحوم رفعت رحل إلى جوار ربه وكنت أحاول أن اخبر المجرمين أننا مدنيون لا حول لنا ولا قوة في محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقى لي في هذه الدنيا من عائلتي نزلت سريعا من باب السيارة وعباءتي تحمل أجزاء مخ ولحم من رأس زوجي وإنا اصرخ لتقف النيران وعيناي ويداي تتفحص أبنتي المضرجتين بالدماء بلا حراك رحل رفعت وحفصة وفاطمة ،الصراخ والبكاء هو أخر ما تبقى لي فإذا بجنديين أمريكيين يصلا بالقرب من السيارة الأول يخبر الثاني كلمات سريعة أدركت منها كلمتان ميزتهما جيدا رغم هول ما حدث ((Kill here)) اقتلها مرددا هذه الكلمتين لأكثر من ثلاث مرات ولكن الله أراد أن يبقي شاهدا على هذا الجرم الشنيع حيث حضرت دورية للشرطة العراقية سمعت إطلاق الرصاص فاقتربت من المكان وقبل وصولها قام مترجم عراقي يرافق الجنديين بصفعي وركلي وأمرني بالذهاب إلى مكان بعيد وتستمر أم عبد الله بسرد الواقعة بعد أن ركلني المترجم وأمرني بالركض ومغادرة المكان كنت أفكر في حينها هل الدماء في العراق رخيصة إلى هذا الحد ركضت وأنا أتلفت صوب عبد الله الذي لا زال يصرخ ركضت إلى مكان ليس ببعيد و ظل قلبي يحوم فوق السيارة والروح تكاد أن تنتزع مني اركض صوب بيتنا وبيوت الأقارب والجيران القريبة وألتفت ورائي كالمجنونة لأن عبد الله ما زال يصرخ في راسي فهو الحي المصاب الوحيد الذي بقي في السيارة ـــ ما زالت أم عبد الله تروي القصة دون أن اعترضها فالاسترسال خير من السؤال ــ وصلت إلى بيوت الأقارب وتغيرت ملامح الوجوه أمام عيني من شدة ما أنا عليه ، الأهل لم يعرفوا ماذا يفعلون ، البكاء تدفق من كل العيون التي ترقبني وأنا كالمجنونة أحاول أن اخبرهم بما حدث ، رجعت مع أهلي ورجال حملتهم المروءة ممن يسكنون في الجوار، فوجدت القاتل يتحول مسعفا والمجرم صار مداويا!! وجدتهم كما النمل يجتمعون حول السيارة بعد أن قاموا بإزالة ملامح الجريمة وجدتهم يضعون عبدا لله على حمالة طبية ويقدمون له العلاج وفور وصولنا إلى بركة الدم ، إلى مكان الجريمة وجدنا الجناة في نفس المكان ووجدنا جثامين رفعت وفاطمة وحفصة وقد وضعت الواحدة جنب الأخرى بعد أن لفتهم الأيادي القذرة بأكياس النايلون، وعبد الله على الحمالة الطبية ملفوف بضمادته
* وماذا فعلت هل تكلمت معهم ؟
ــ لم يجرؤ احد منا على الحديث معهم خوفا على عبدا لله الذي بين أيدهم والضحايا المصفوفين على قارعة الطريق لم نجرأ على الحديث بقينا نلتزم جانب الصمت والبكاء فقط وهم يتصرفون مع الواقعة بدماء باردة وكأن من قُتل ليس إنسانا أبدا تسكت لتتكلم الدموع وتهرب من سرد التفاصيل بحديث الذكريات قائلة : هل تعلم ماذا كان حلم فاطمة وحفصة ؟
ـــ سؤالها المفاجئ عقد لساني حزنا وخجلا من النطق بأي إجابة أراحتني أم عبد الله منها باسترسالها ــ
كانت الأحلام بالنسبة لهن لا تتجاوز السرير الخشبي الصغير والدمى الرخيصة ولعب أطفال اعتيادية هكذا كانت الأحلام التي تراودهما فضعف الحال وضيق العيش كان معلوما لديهما لم يطلبا شيئا سوى أحلام العصافير هذه.. كنت أرى فاطمة تكبر بعيني يوما بعد أخر وأحس أن فاطمة تحاول كسر أحزاني وأحزان أبيها وتصبرنا أحيانا وتقول لنا (الحمد لله وضعنا أحسن ممن نراه في التلفاز) وحفصة عندما كانت تصلي ترفع يدها إلى السماء لكي تنعم بأمن بعيدا عن أصوات الانفجارات ومشاهد القتل حتى هذه الكلمات قتلت لم يبقى لي إلا الله وعبد الله
* وما هي نتائج التحقيق ؟
ــ أي تحقيق وهل دماء العراقيين لها ثمن حتى تفتح لها تحقيقات واستلمنا جثامين الشهداء وواريناها الثرى وأقمنا مجلس العزاء ولا نعرف حتى أسماء الجناة أو رقم دوريتهم ولم يتصل بنا احد لحد الآن
* ولكن قلت أن هناك شرطة عراقية يعني أكيد هم يعرفون رقم الدورية ؟
ــ حاولنا الاتصال بمركز شرطة الزعفرانية لكن لا مجيب لأسئلتنا أننا يا أخي نريد حقنا من الله وحده
* كيف رجع عبد الله لك ؟
ـــ تبعنا سيارة الإسعاف إلى مستشفى وبعد أيام من العلاج خرجنا نواجه مصيرنا المجهول بلا معيل وحسبنا الله نعم الوكيل
كلمات أم عبد الله ونظرات عبد الله كانت كافية لأعرف أن صاحبة الجلالة في العراق لا حول لها ولا قوة وهي نفسها في مرمى نيران الأمريكان لذا أثرت الرحيل على المكوث العقيم وعزائي خروج هذه القصة التي أدمت قلبي قبل قلمي إلى النور ، الضحايا الأحياء طفل وأم بلا مسكن يأوهيهما بعد أن استحال عليهما دفع أيجار الدار، أما الضحايا الأموات فذهبوا إلى جوار ربهم ، أنا لله وأنا أليه راجعون

ليست هناك تعليقات:

حدث خطأ في هذه الأداة
حدث خطأ في هذه الأداة